أحمد بن محمود السيواسي
322
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 48 ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 48 ) ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ) أي يرمي ويتكلم بالوحي على الأنبياء أو يرمي بالحق على الباطل فيدمغه ، قوله ( عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) [ 48 ] صفة لاسم « إِنَّ » أو بدل من ضمير « يَقْذِفُ » ، أي هو عالم بكل غيب وهو الخفي الذي لا يعلمه ابتداء إلا هو من القول والفعل وغيرهما في السماء والأرض . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 49 ] قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ( 49 ) ( قُلْ جاءَ الْحَقُّ ) أي القرآن أو الإسلام النافع ( وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ) [ 49 ] أي وهلك الباطل وهو الكفر الضار ، و « ما » فيهما بمعنى لا ، روي : « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل يطعنها بعود ويقول : « جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ » « 1 » » « 2 » ، أي هلك ، يقال فلان لا يبدئ ولا يعيد مثلا في الهلاك ، وقيل : معناه إن الباطل قد بطل بمجيء الحق فلا يلتفت إليه « 3 » ، لأنه يقال فلان لا يبدئ ولا يعيد إذا لم يلتفت إليه ، وقيل : « لا يبدئ الباطل لأهله خيرا ولا يعيده » « 4 » ، أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة أو الباطل الشيطان « 5 » ، لأنه صاحب الباطل ولا يخلق شيئا ولا يبعثه ، وقيل : هو أصنامهم « 6 » ، لأنهم عجزة لا تحيي ولا تميت . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 50 ] قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 ) ( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي ) أي فإنما وزر ضلالي علي لا عليكم ( وَإِنِ اهْتَدَيْتُ ) إلى الحق من الإسلام والقرآن ( فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ) أي فهدايتي بفضل ربي ووحيه فلا منة لغيره فهو في معنى فنفعه لنفسي ( إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ) [ 50 ] منهم يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله ، ولا يفوته شيء ما من القول والفعل أو قريب بالإجابة ممن دعاه . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 51 ] وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) ( وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا ) أي خافوا وهو وقت البعث وقيام الساعة أو وقت الموت أو يوم بدر ( فَلا فَوْتَ ) أي لا يفوتون اللّه ، وجواب « لَوْ » محذوف ، أي لرأيت أمرا عظيما ، وقيل : نزلت الآية في عسكر قصدوا الكعبة ليخربوها فخسف بهم إذا دخلوا البيداء « 7 » ( وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ) [ 51 ] أي من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم هنا أو المراد يوم بدر وحيث كانوا فهو قريب من اللّه تعالى ، وعطف « أُخِذُوا » على معنى « فَلا فَوْتَ » ، أي لم يفوتوا وأخذوا أو على « فَزِعُوا ، أي فزعوا وأخذوا فلا فوت . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 52 ] وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) ( وَ ) عند حلول العذاب بهم ( قالُوا آمَنَّا بِهِ ) أي بالبعث أو بمحمد لتقدم ذكره بقوله « ما بِصاحِبِكُمْ » ( وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ ) بالهمز من النأش وهو الحركة ببطء ، أي من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم ، وبالواو « 8 » ، أي التناول والأخذ بسهولة ، يقال تناقش وتناول إذا مد يده إلى شيء يصل إليه ( مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) [ 52 ] أي من الآخرة إلى الدنيا وهو تمثيل لطلبهم ما لا يكون ، وهو أن ينفعهم إيمانهم عند نزول العذاب بهم كما نفع « 9 » المؤمنين إيمانهم في الدنيا ، فمثلت حالهم بحال من يريد أن يصل الشيء من غلوة وهي مقدار رمية .
--> ( 1 ) الإسراء ( 17 ) ، 81 . ( 2 ) عن ابن مسعود ، انظر السمرقندي ، 3 / 77 ؛ والكشاف ، 5 / 73 . ( 3 ) لعل المفسر اختصر هذا المعنى من القرطبي ، 14 / 313 . ( 4 ) ذكر الزجاج نحوه ، انظر الكشاف ، 5 / 73 . ( 5 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 5 / 73 . ( 6 ) هذا الرأي منقول عن البغوي ، 4 / 514 . ( 7 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 5 / 73 . ( 8 ) « التناوش » : قرأ أبو عمرو وشعبة والأخوان وخلف بهمزة مضمومة بعد الألف فيصير المد عندهم متصلا ، فكل يقرأ على أصله ، ولحمزة في الوقف عليه تسهيل بالهمزة مع المد والقصر ، وقرأ الباقون بالواو الخالصة بعد الألف . البدور الزاهرة ، 262 . ( 9 ) نفع ، وي : ينفع ، ح .